التنظيم القانوني للعمل عن بعد


- إعداد: سامية حسن العلوي ، باحثة قانونية 

* حازت المدونة على المركز الأول ضمن مسابقة أفضل بحث قانوني لعام ٢٠٢١م.

مقدمة:

لم يكن نمط العمل عن بعد محل نظر بنسبة كبيرة في المجتمعات، إذ كان انتشاره والإقبال عليه ضعيفا مقارنة بالوضع الحالي، ونستطيع تفسير ذلك بأن الإنسان بطبيعته يحب الاختلاط مع المجتمع والانسجام معهم بتبادل موضوعات العمل مباشرة، غير أن للغة الجسد في بيئة الأعمال دورا كبيرا في التأثير، سواء في المفاوضات أو في التعامل أو في قياس نسبة الرضا من عدمه، إذ يستطيع الإنسان عن طريقها أن يفهم الطرف الآخر ويتعامل معه بناء على ذلك، وهذا ما يُفتقد في نمط العمل عن بعد.

شهد العالم تطورا كبيرا في نطاق التكنولوجيا، مما أدى بدوره إلى التأثير على مختلف النطاقات، لاسيما نطاق العمل والعلاقات التعاقدية، حيث أنه استُحدث بسبب ذلك التطور المستمر نمط العمل عن بعد، وبعد ظهور جائحة كورونا، فُرض على الناس التباعد الجسدي ولزوم المنازل، وعليه كان لابد من استمرارية العمل في المنزل عبر الكمبيوتر المحمول، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الإقبال على العمل عن بعد في مختلف الأعمال، وتبعا لذلك سعت كثير من الدول إلى تنظيم ذلك وإعداد منصات تنظم العمل عن بعد وتعالج الثغرات الناتجة عنه، إذ قامت مملكتنا الحبيبة بإصدار القرارات الوزارية وإنشاء منصة العمل عن بعد التي تسعى من خلالها على حل مشكلة البطالة وإتاحة الفرصة للعاطلين للحصول على وظيفة تساعدهم على العيش الكريم.

ونحن في هذه المدونة نتطلع للإجابة والتفصيل في موضوع العمل عن بعد والتنظيم القانوني له.

يقصد بالعمل عن بعد: " آداء العامل لواجباته الوظيفية في غير مكان العمل المعتاد، وذلك باستخدام أي من وسائل الاتصال وتقنية المعلومات".

الآثار الإيجابية والسلبية للعمل عن بعد: 

نرى أن كثيرا من المؤسسات تحث على العمل عن بعد لما به من مزايا متعددة ناتجة عن تطبيقه، وتتمثل هذه الإيجابيات في: 

1- أن العاملين بنمط العمل عن بعد يمارسون أعمالهم في ظروف مريحة ومسترخية تعود لكونهم هم الذين يحددون أوقات عملهم وفقا لظروفهم الخاصة بالاتفاق مع أصحاب العمل، مما ينتج عنه راحة نفسية ورضا يؤثران على الإنتاجية ومن ثم على الاقتصاد والدخل القومي. 

2- تفعيل العمل عن بعد في مختلف القطاعات يساعد فئات كبيرة من المجتمع على العمل، كالمرأة لملائمته لطبيعة حياتها والتزاماتها الخاصة، بالإضافة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة عبر تأهيلهم وتوفير العمل الملائم لاحتياجاتهم مما ينشئ لنا جيل واع متكاتف ومتماسك يسعى جاهدا لاستغلال الطاقات المتنوعة.

وللعمل عن بعد سلبيات تتمثل في: 

1- أنه يقلل تواصل الناس مع بعضهم لاعتمادهم التام على المراسلات مما يضعف لديهم مهارات التواصل. 

2- عدم فهم المقصود أو المطلوب من المراسلات. 

3- يؤدي إلى عدم الانضباط بتسليم العمل في المواعيد المحددة لأنه لا يشعر ببيئة عمل جدية. 

ولكن يمكن القول بأن هذه السلبيات يمكن تجاوزها بطريقتين:

●تحديد اجتماعات أسبوعية صوت وصورة توضح فيها الخطة والآليات المستعملة خلال الأسبوع. 

●الدمج بين العمل عن بعد والعمل التقليدي -الحضوري- حيث أنها طريقة مثالية لا يفقد العامل ما لديه من مهارات تواصل ولتفعيل نمط العمل عن بعد تحسبا لأي ظرف قد  يحصل مستقبلا. 

القرارات الوزارية مع التطورات الحاصلة في مملكتنا وارتفاع نسبة التوجه للعمل عن بعد، سعت حكومتنا الرشيدة إلى توضيح الأنظمة التي يخضع لها نمط العمل عن بعد والتي تُحفظ بها الحقوق وتؤدى بها الأعمال، وعلى ذلك صدر القرار الوزاري رقم 792 بتاريخ (12/2/1436) المحدث بالقرار الوزاري رقم (120453) وتاريخ(28/12/1438) والمحدث بالقرار الوزاري رقم (101329) وتاريخ (1/6/1442) الذي يُخضع نمط العمل عن بعد للأنظمة وقوانين معينة سنعمل على تحليلها ومناقشتها: 

نصت المادة الثالثة من القرار - فيما لم يرد به نص في هذا القرار- على خضوع العلاقة التعاقدية للعامل عن بعد لأحكام نظام العمل، مما يجعلنا نؤكد صراحة بأن خضوعهم لنظام العمل أمر منطقي إذ أنه لا توجد اختلافات جوهرية بين النمطين لانفراد العمل عن بعد بتنظيم خاص، فكون أن الموظف بنمط العمل عن بعد لا يعمل في مكان العمل لا يعني ذلك بأنه يتخلل من الالتزامات العامة لكافة الموظفين وكذلك بالنسبة لرب العمل، وبالتالي يفضل الاكتفاء بتوضيح ما يجب توضيحه وتنظيم ما غاب نظام العمل عن تنظيمه.

كما نصت المادة ذاتها بلزوم وجود عقد عمل مكتوب يذكر فيه بأن العمل يتم عن بعد إضافة إلى وجوب أن ينص العقد على عدة أمور متعلقة بآلية سير عمل الموظف وطبيعته كتحديد المهام الوظيفية والوصف الوظيفي، كذلك تحديد ساعات عمل الموظف ووقت بدء العمل وانتهائه، وغيرها من الحقوق المنصوص عليها في نظام العمل، أو القرارات الوزارية أو اللوائح الداخلية المعتمدة في المنشأة.

عند النظر إلى ما نصت عليه ذات المادة نجد بأنها أمور مسلمة يجب النص عليها في أي نمط كان، لكن يمكن تفسير تكرار ذكرها في القرار إلى التأكيد على ضرورة تحديدها، وذلك لكون الموظف يعمل بعيدا عن أنظار رب العمل مما يجعل ذلك سببا في كثير من الأمور كالاستهتار في بعض الأحيان أو التعسف في استعمال الحق كأن يقرر رب العمل بأن الموظف يستحق راتب أقل من الراتب الذي تم الاتفاق عليه شفاهة زعما منه بأن الموظف لا يتكبد عناء في القيام بالعمل من المنزل، أو أن يقرر الموظف بأن يبدأ العمل في أي وقت لو لم يفرض عليه وقت معين، وذلك مما لا شك فيه سبب في نشوء النزاعات اللامتناهية، فوجود إلزام بكتابة هذه التفاصيل في العقد، سبب في تقليل كثير من النزاعات التي قد تحصل، والجدير بالذكر أن الإنسان لا يشعر بالإلزامية إذا كان في دائرة الراحة أي في الدائرة التي تتيح له العمل متى تشاء وفي أي وقت بلا قيود ولا بنود ملزمة، وقد نصت المادة الخامسة من القرار على جواز اختلاف أوقات العامل عن بعد عن أوقات العمل في المنشأة مع مراعاة ظروف المنشأة.

أما بخصوص المادة الخامسة فقد نصت على وجوب أن تكون طبيعة العمل يمكن تأديتها من خلال وسائل الاتصال والمعلومات، مع التزام رب العمل بتوفير ما يلزم العامل لتأدية عمله، وكذلك التزام العامل بالمحافظة على ما قدم له من أجهزة وعدم استعمالها في غير حاجات العمل. 

نجد بأن هذه المادة مثال للمنطق والأمر البديهي، فمن غير المتصور أن تكون جميع الأعمال صالحة للعمل عن بعد، إذ أن بعض الأعمال تحتاج لرقابة مباشرة وعدم وجود هذه الرقابة قد تؤدي إلى سوء في الانتاجية مما يعرض رب العمل إلى مسائلات قانونية طائلة ومخالفات لا خلاص لها،  كإنتاج وتكرير الزيوت، فلا يمكن تصور القيام بالإنتاج والتكرير من المنزل لضرورة توفر بيئة نظيفة ومعقمة باستمرار، بالإضافة إلى لزوم وجود آلات كبيرة للإنتاج. 

ومن جانب آخر نجد بأن هناك العديد من الأعمال صالحة للقيام بها عن بعد خاصة ما تعتمد بشكل أساسي على الكمبيوتر المحمول كالتصميم والترجمة والبرمجيات وخدمة العملاء، ونجد أن شركات التوصيل كشركة جاهز، وهنقرستيشن مثال بارز على توظيف عمال في خدمة العملاء وقسم الشكاوى بنمط العمل عن بعد، وكذلك شركة STC، بالإضافة إلى شركات الشحن كشركة سمسا، فجميعهم يقومون بتوفير البيئة اللازمة للعامل حتى يقوم بمهامه على أكمل وجه وفقا لالتزاماتهم المذكورة في المادة الرابعة. 

وفي ما يتعلق بمسألة توثيق عقود العاملين عن بعد، فقد نصت المادة السادسة بعد التعديل الحاصل عليه في القرار الوزاري رقم 101329 وتاريخ 1/6/1442 على اشتراط توثيق عقودهم عبر البوابة الإلكترونية التي تحددها الوزارة. 

ويثار التساؤل هنا، لماذا وضع هذا الشرط لماذا اشترطت الوزارة توثيق عقود العاملين عن بعد إلكترونيا؟ هل بسبب ملائمة طبيعة عملهم الإلكترونية؟ أم لحماية حقوقهم؟ 

بعد البحث المطول، نجد أن القرار الوزاري رقم 156309 وتاريخ 18/8/1440هـ خير جواب لتلك التساؤلات، فهو وإن كان لا يخص العاملين عن بعد لوحدهم، إلا أننا قادرين على أن نستشف منه بعض الأسباب، إذ أوضحت الوزارة في قرارها، أن برنامج توثيق العقود إلكترونيا يساعد أصحاب العمل من رفع وتحديث المعلومات الخاصة بعقود العمل للعاملين في القطاع الخاص كما يتيح للعاملين التحقق من صحة بياناتهم عبر بوابة الخدمات الإلكترونية للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. 

غير أننا نستطيع أن نُرجع حرص الوزارة في تمكين أصحاب العمل من تحديث بيانات عقود العمال وتمكين العامل من الاطلاع على فحوى العقد وصحة بياناتهم إلى أمرين: 

أولا: تقليل النزاعات التي قد تحصل بين العامل وأصحاب العمل والرقي ببيئة عمل واضحة وشفافة. 

ثانيا: القضاء على التستر وزيادة الرقابة على المنشآت للتأكد ما إن كان هناك مخالفات تتعلق بتوظيف الأجانب في الوظائف المتاحة للمواطنين، فكلما زادت الرقابة كلما قلت المخالفات و قُضي على الفساد الداخلي في المنشآت، لاسيما أن مسألة حل المشكلة وتوقعها قبل وقوعها خطوة عظيمة من الوزارة تنبئ بوجود جهود مكثفة لبناء بيئة عمل ناجحة مستقرة برقابة مشددة. 

وقد تحدث القرار في المادة السابعة عن جواز تحول العامل الذي يعمل في مكان العمل إلى عامل يؤدي عمله عن بعد بشرط وجود اتفاق كتابي بينهما، مما ينتج عنه وجود المرونة في العمل والتسهيل على أصحاب العمل والعمال باتخاذ الطرق التي تتناسب مع ظروفهم. 

كما تحدث القرار أيضا في مادته الثامنة عن عدم اشتراط الحصول تصريح مسبق من وزارة العمل أو أي جهة أخرى في حال تم توظيف عمال عن بعد، وقد نجح الوزير في عدم اشتراط ذلك لأنه لا فائدة من اشتراط التصريح  وتعقيد الإجراءات دون أي مبرر مسوغ، مادامت طبيعة عملهم مشروعة، وجميع بياناتهم مرفقة وموثقة إلكترونيا. 

أما فيما يتعلق بالمادة التاسعة والعاشرة من القرار، فقد تحدثتا عن برنامج نطاقات ونصتا على أن العاملين عن بعد الذين سيحتسبون في البرنامج هم ذوي الإعاقة الذين لا توقفهم إعاقتهم من القيام بعمل معين، وكذلك المرأة السعودية العاملة، وقد يبرر عدم احتساب العامل سعودي الذي يعمل عن بعد في البرنامج هو أن نسبة قدرته على العمل في مقر العمل تفوق قدرة المحسوبين في البرنامج. وحرص النظام  في المادة الحادية عشرة على وجوب تسجيل العامل عن بعد في التأمينات بنمط وظيفته -عامل عن بعد بدوام جزئي أو دوام كامل- قبل تسجيله في بوابة العمل عن بعد. 

ومن المنطقي ألا يخلو أي تنظيم من سن جزاء رادع لمن يخالف أحكامه، حيث نصت المادة الثانية عشرة بالآتي: العامل الذي يقوم بالانضمام في وظيفة وهمية متحدا بقيامه في ذلك مع المنشأة، يحرم من الدعم الذي يوفره صندوق الموارد البشرية مدة لا تقل عن 3 سنوات عند قيامه بالمخالفة الأولى ومدة لا تقل عن 5 سنوات عند قيامه بالمخالفة الثانية. 

والمادة الثالثة عشر بالآتي: عندما تقوم المنشأة بمخالفة بنود القرار الوزاري فإنها تعرض نفسها لـ: 

●"غرامة مالية لا تقل عن ألفي ريال ولا تتجاوز خمسة آلاف ريال طبقا للمادة(239) من نظام العمل".

●"كل أو بعض الجزاءات الواردة في المادة (6) من قرار مجلس الوزراء رقم (50) الصادر في تاريخ 21\4\1415 هـ بشأن إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة وفق الإجراءات الواردة فيه".

وبعد انتهائنا من تحليل البنود الواردة في القرار الوزاري المذكور أعلاه، نجد بأن إصدار هذه القرار خطوة عظيمة ومدروسة تدل على حرص حكومتنا الرشيدة بألا يبقى أي أمر مستحدث بلا تنظيم.

عرَّف الكثير عقد العمل عن بعد بأنه عقد إلكتروني يبرم بين الأشخاص الذين لا يجمعهم مكانًا واحدًا.

وعلى الرغم من اعتباره تعريفا كافيا لدى البعض إلا أنني أجد فيه بعض القصور والنقص وعدم اكتمال الأركان، فحتى يكون تعريف عقد العمل واضحا مفسرا لمضمونه يجب أن يتضمن علاوة على ما ذكر صفة من أُبرم العقد بينهم، بالإضافة إلى تفسير ما ينظمه العقد، والتعبير بشكل دقيق عما يتعلق بعمل العامل في مكان مختلف عن مكان صاحب العمل، 

وبناء على ذلك نعرف عقد العمل عن بعد بأنه: عقد يحرر إلكترونيا لإبرام علاقة تعاقدية بين صاحب العمل والعامل على أن يعمل العامل لخدمة صاحب العمل بعيدا عن أماكن العمل التابعة له مقابل أجر معين، كما يأتي العقد منظما لحقوق والتزامات كل منهما تجاه بعضهما البعض. 

صور عقد العمل عن بعد وفي هذا الإطار نتناول الصور الشائعة لعقد العمل عن بعد: 

الصورة الأولى: العمل عن بعد من المنازل وتعد الصورة البارزة والمثالية لوصف نمط العمل عن بعد، حيث أن العامل يقوم بخدمة عمله في مكان ليس له صلة بمقر العمل بتاتا.

الصورة الثانية: العمل من مواقع مجهزة ويقصد بها المراكز التي تنشئها شركات مستقلة عن جهة العمل، ويستفيد منها المستخدمون على اختلاف جهات أعمالهم. 

الصورة الثالثة: العمل في العديد من الأماكن التي تتغير مع الوقتهذه الصورة تمثل العامل المتنقل، حيث يقوم بإنجاز عمله في أي مكان يتواجد به. 

الصورة الرابعة: العمل عن بعد عبر الحدودوهذا عندما تفصل حدود دولية بين الطرفين. 

أحكام عقد العمل التقليدية مرت بالعديد من المراحل لتستقر وتثبت بين أطراف العقد، وفي نفس الصدد تثار التساؤلات حول مدى كفاية الأنظمة النافذة لضمان حقوق العامل عن بعد وحمايته، وعليه يتناول هذا المطلب التفصيل في التزامات العامل والتزامات صاحب العمل وفقا لنظام العمل السعودي: 

أولا/ التزامات العامل: بالنظر إلى المادة 65 من نظام العمل والمنظمة لالتزام العامل، نجد بأن العامل عن بعد يلتزم بذات الالتزامات التي يلتزم بها العامل في موقع العمل. 

نصت الفقرة أ من المادة على " أن يعتني عناية كافية بالآلات والأدوات والمهمات والخامات المملوكة لصاحب العمل الموضوعة تحت تصرفه، أو التي تكون في عهدته وأن يعيد إلى صاحب العمل المواد غير المستهلكة". 

ومما يؤكد ويدعم صحة ما نقول في التزام العامل بذات الالتزامات، ما ورد في الفقرة الثانية من المادة الرابعة المنصوص عليها في القرار الوزاري الصادر لتنظيم العمل عن بعد، إذ نص على وجوب أن يحفظ العامل الأدوات المقدمة إليه للقيام بعمله وبذل العناية اللازمة وإعادتها لصاحب العمل متى طلب منه ذلك وألا يستخدمها لغير حاجات العمل ولا لأعمال غير مشروعة.

كما نصت الفقرة د. على العامل "أن يقدم كل عون ومساعدة دون أن يشترط لذلك أجرا إضافيا في حالات الكوارث والأخطار التي تهدد سلامة مكان العمل والأشخاص العاملين فيه". 

وعلى أساس ما ذكر فقد يثار التساؤل حول إمكانية إسقاطه على العامل عن بعد، خصوصا أنه يعمل خارج مقر العمل؟ 

بعد البحث المطول، لم نجد ما يمكننا الاستناد عليه في تحليل هذا الالتزام وإسقاطه على العامل عن بعد، ولكن من المحتمل أن يتم إعمال هذه المادة فيما يتعلق بحاجة صاحب العمل لحضور العامل عن بعد إلى مقر العمل لتقديم العون والمساعدة في الحالات المذكورة دون اشتراط الأجر الإضافي. 

ثانيا/ التزامات صاحب العمل: 

عند تأمل التزامات صاحب العمل الواردة في نظام العمل، نجد بأنه يلتزم بمعظمها أيضا تجاه العامل عن بعد، حيث أنه ملزم بدفع الأجر له مقابل عمله ولا يجوز حجز أجره بالكامل أو بعضه دون سند قضائي، إضافة إلى أنه يلزم بتمكين العامل من العمل وأن يوفر جميع احتياجات ونفقات العمل وأن يمتنع عن تشغيل العامل سخرة أو أن يقوم بما يمس بكرامته، وغيرها من الالتزامات الواردة في النظام. 

واستكمالا لما سبق سنقتصر على ذكر الالتزامات التي تثير التساؤلات حول كيفية تطبيقها على نمط العمل عن بعد: 

نصت المادة الثالثة والستون على: "على صاحب العمل أو وكيله أو أي شخص له سلطة على العمال، منع دخول أي مادة محرمة شرعا إلى أماكن العمل، ويطبق بحق من وجدت لديه أو من تعاطاها العقوبات المقررة في هذا النظام ، مع عدم الإخلال بالعقوبات الشرعية".

هذه المادة يمكن تصورها بلا شك في حالة العامل في مقر العمل، لأن سلطة صاحب العمل تنصب مباشرة على مقر العمل مما يجعله مسؤولا عن منع إدخال أي مادة محرمة شرعا إلى أماكن العمل، لكن كيف لنا أن نطبق هذه المادة على العامل عن بعد؟ 

حري بنا لاستنتاج الإجابة أن نتطرق لهذا الموضوع من جانب فلسفي ونفصل الأمور من منظور أخر وفقا لما ذكر في الفقرة الثانية من المادة الرابعة في القرار الوزاري رقم 792: 

أولا: العامل عن بعد يعمل بعيدا عن مقر العمل، مما يفهم منه أن صاحب العمل غير مسؤول عن المكان الذي يعمل به الموظف بالتالي غير مسؤول عن إدخال أي مادة محرمة للمكان الذي يعمل فيه وإذا عوقب العامل فإنه يعاقب لحيازته لتلك المواد لا بسبب إدخالها. 

ثانيا: العامل عن بعد يعمل على وسائل وأجهزة إلكترونية تابعة لصاحب العمل وملزم بأن يحافظ عليها ويردها حين يطلبها صاحب العمل، وحيث أن المواد غير المشروعة لها صور متنوعة وطرق إدخال مختلفة وحيث أن الأجهزة الإلكترونية قابلة لإدخال وتخزين مواد إلكترونية غير مشروعة فإننا نسلط الضوء على اعتبار أن العامل عن بعد ملزم من قبل صاحب العمل بألا يدخل أي مواد إلكترونية غير مشروعة داخل الأجهزة الإلكترونية وأن يعاقب بذات العقوبة المنصوص عليها في النظام لو قام بذلك، دون الإخلال بالعقوبات الشرعية. 

وقد تضمن الباب الثامن من نظام العمل في فصله الأول والثالث الحديث عن التزامات صاحب العمل بتوفير الوقاية اللازمة من مخاطر العمل والأمراض الناجمة عنه والوقاية من الحريق وتهيئة الوسائل الفنية لمكافحته، بالإضافة إلى ضرورة إحاطة صاحب العمل لعماله قبل مزاولة المهنة بمخاطرها وتوفير أدوات الوقاية اللازمة وتدريبهم على استعمالها. 

مما لا شك فيه، أن التزامات صاحب العمل بتوفير هذه الضمانات في مجال عقد العمل عن بعد، تواجَه بالعديد من العقبات" وذلك يعود إلى أن تنفيذ عقد العمل عن بعد مستقل عن مكان العمل المعتاد وبالنظر إلى صوره نرى بأن أماكن تنفيذه متعددة ومتفرقة مما يزيد صعوبة وصول الجهات الرقابية إليها، فكيف لصاحب العمل ضمان حماية العامل عن بعد خصوصا بعد ظهور عدة تقارير رسمية تجزم بوقوع بعض الحوادث كالاحتراق بسبب التماس كهربائي؟ 

عند النظر لخصوصية بعض الأماكن، نجد أنه من الصعوبة بمكان احترام خصوصية العامل -كما لو كان مكان العمل هو المنزل- عند القيام بعمليات الرقابة الفعالة للتأكد من مدى اتخاذ العامل التدابير والإجراءات اللازمة بالإضافة إلى التأكد من عدم وجود أي أعطال في الأجهزة بشكل يضر بالعامل. 

والشيء بالشيء يذكر، حري بنا استكمالا لما سبق أن نتطرق لمسألة حماية العامل من إصابات العمل وتعويضه، فهي أيضا مسألة معقدة يجب تنظيمها، فكيف يثبت العامل بأن ما أصابه كان نتاجا عن أداء عمله؟ أو أن إصابته وقعت كفرد من أفراد الأسرة لا بصفته عاملا؟ وماذا لو تمسك صاحب العمل بعدم مسؤوليته عما يصيب العامل، طالما أنه خارج مقر العمل ولا سلطة له على منزل العامل، وماذا لو استند بأن النظام نص على مسؤولية صاحب العمل عن الإصابات في مقر العمل ولم ينص على حالة العامل عن بعد؟ وقائمة التساؤلات والنزاعات تطول ولا تنتهي حتى يصدر أمر رسمي يوضح طبيعة توظيف هذا الفصل من النظام في حالة العامل عن بعد. 

اقترح البعض حلا لهذه الإشكالات وهو بأن يتم توفير مساحة خاصة للعمل يتم تهيئتها بطريقة كافية ومناسبة للعمل، بالإضافة إلى إعداد جدول لعمليات التفتيش الأسبوعي يتأكد منها صاحب العمل بعدم وجود أية إشكالات وخطورة على العامل، وبالتالي أية إصابة تصيبه عند آدائه لعمله في مساحة العمل وفي ساعات العمل تكون من قبيل إصابات العمل، وللقاضي السلطة التقديرية في حال حدوث أي نزاع حول هذا الأمر.
ختاما فإننا تمكنا من خلال هذا البحث في تسليط الضوء على ماهية العمل عن بعد والتنظيم القانوني له بالاستناد على نظام العمل والدليل الإجرائي للعمل عن بعد وعليه توصلنا للنتائج التالية:

1- أن العمل عن بعد يعد نتيجة من نتائج التطور التكنولوجي الذي ساعد طالب الوظيفة على تحديد النمط الوظيفي المناسب لظروفه. 

2- أن الدليل الإجرائي للعمل عن بعد التابع للقرار الوزاري رقم 792 والمحدث بالقرار الوزاري رقم (101329) جاء مكملا لنظام العمل ومفسرا لبعض أحكامه. 

3- أن إخضاع العامل عن بعد لأحكام نظام العمل، أثار عدة تساؤلات حول العديد من المواد وكيفية تطبيقها مما أوجب العمل بشكل أدق على تفسير أحكام النظام.

قائمة المراجع: 

1-فليح، نجلاء توفيق؛ قزمار، نادية محمد (2018) التكييف القانوني للعمل عن بعد "دراسة مقارنة" مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات الإنسانية 18 (1).
2- القرار الوزاري رقم 792 بتاريخ 12/2/1436 المحدث بالقرار الوزاري رقم (120453).
3- وتاريخ(28/12/1438) والمحدث بالقرار الوزاري رقم (101329) وتاريخ (1/6/1442).
4- موسى، خالد السيد. أحكام عقد العمل عن بعد.ط1. الرياض: مكتبة القانون والاقتصاد،1435هـ.
4- نظام العمل المعدل بالمرسوم الملكي رقم (م/5) وتاريخ 7/1/1442هـ.