الآثار القانونية لـ فايروس كورونا COVID-19


مقدمة :

لا يزال العالم أجمع متأثراً بتفشي فايروس كورونا Covid 19 الذي أثار إرباكا في المشهد العالمي في الأسابيع الماضية وحتى الآن، خاصة بعد انتشاره بشكل كبير في العديد من دول العالم منذ أن ظهر متفشيا في جمهورية الصين الدولة الأكثر سكانا في العالم وتحديداً في مدينة وهان والذي أودى بحياة الآلاف، مع تزايد المخاوف من انتشاره تزامنا مع معدلات الإصابة والوفيات حول العالم، فرضت معظم دول العالم إجراءاتها التحفظية والاحترازية، هنالك بعض الدول أعلنت حالة طوارئ فرضت من خلاله عزلا وإقفالا شاملاً في محاولة للتخفيف من حدة انتشاره والذي يعتبر عامل انتشاره واقعة غير مسبوقة.

جلّ العالم قد انتكس اقتصادياً بسبب انتشار تلك الجائحة وهذا ما أثـار الكثير من التساؤلات حول أثر ذلك على العقود والاتفاقيات، والتي سوف نتطرق لهـا من خلال هذا البحث. بداية يجب إسباغ الصفة القانونية لهذا العارض على الالتزامات التعاقدية، وهو حدث و ظرف طارئ غير متوقع وبالتالي سيؤثر أو يغير من أداء الالتزامات التعاقدية، وهذا ما يطلق عليه أيضـا بالقوة القاهرة الذي يعد أحد بنود العقود والاتفاقيات والذي ينص على ما يجب أن يتم فيما لو طرأت أية حادثة لا يمكن توقعها أو دفعها واستحال معها تنفيذ الالتزامات التعاقدية، ولهذا الشرط دور كبير في الحد من النتائج المترتبة على مبدأ استحالة تنفيذ الالتزام التعاقدي والذي يعد أحد وسائل انقضاء الالتزام التعاقدي نتيجة حوادث لا يمكن دفعها ولا توقعها وخارجة عن سيطرة أطراف الالتزام، ولا ترجع إلى خطأ أي منهم، فهي حوادث لاحقة على العقد بحيث تجعل استحالة تنفيذ الالتزامات التعاقدية لاحقة على انعقاد العقد وليست سابقة أو معاصرة له. فوظيفة هذا الشرط هو التعامل مع الحوادث التي يمكن أن تحدث أثناء تنفيذ الالتزام التعاقدي مهما كانت درجة خطورته. فالقوة القاهرة ترفع المسؤولية عن المدين الذي لا يكون بحاجة في مثل هذه الحالة إلى شرط الإعفاء من المسؤولية العقدية.

التكييف القانوني لـ فايروس كورونا Covid 19

مع انتشار الجائحة والذي أثر بشكل كبير على الصحة العامة وخلف العديد من المرضى والوفيات على مستوى الأفراد، أثــر أيضاً على اقتصاديات الدول والالتزامات التعاقدية.

ينبغي أولا توضيح المقصود بـ التكييف القانوني: هو إجــراء أولي لتحليل واقعة ما من الناحية القانونية وإلباسها الوصف الصحيح لتحديد القواعد والمبادئ القانونية الواجبة التطبيق على تلك الواقعة؛ وهو إعمال النظر والفكر معــا؛ من خلال عملية ذهنية متمثلة في إنزال نظم قانونية على واقعة؛ أو إدراج الواقعة في طائفة محددة، أو حتى بيان القاعدة القانونية الواجب إعمالها على الواقعة المطروحة، ومن هنا ظهرت الحاجة للتكييف القانوني لجائحة كورونا على العقود والاتفاقيات باعتبارها ظرف طارئ أو قوة قاهرة. ولتفصيل ذلك ينبغي ثانيا تعريف الجائحة.

تعريف الجائحة:

الجوائح هي جمع لكلمة جائحة وهي: المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله وتهلكه وتتلفه إتلافاً ظاهراً كالسيل والحريق، أو هي الآفة التي تجتاح الثمر -تشبيها- وهي أيضا: الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة. ويقال اجتاحتهم السنة، أي استأصلت أموالهم، ويقال أيضاً سَنة جائحة: أي جدبت. وأيضاً جاح المــال: أي أهلكه. وجاء في الأثر "إن أبي يريد أن يجتاح مالي" أي يستأصله ويأتي عليه أخذاً وإنفاقاً.

الظروف الطارئة:

يقصد بالظرف الطارئ هـو " كل حادث ينشأ أو عذر يطرأ بعد إبرام العقد، كالآفة أو الجائحة أو النازلة، بحيث يجعل العاقد عاجزاً عن تنفيذ العقد بضرر زائد لم يستحق بالعقد". فالحوادث الطارئة هي حالات عامة غير مألوفة لم يكن في الحسبان توقعها ولا دفعها.

شروط الظروف الطارئة:

الحادث الطارئ الذي يحدث لأحد المتعاقدين يمكن أن يكون عذراً ينفسخ به العقد. فخوف الطريق أو مرض الدابة أو إفلاس المستأجر أو المؤجر كل ذلك يؤدي إلى جواز فسخ العقد دون اشتراط أن يكون ذلك نادراً أو حالة استثنائية، وهذا بعكس مبدأ الجوائح فإنه لا يترتب عليها أدنى أثر إلا إذا كانت مؤثرة وتخرج عن الحد المألوف، وإذا قلنا إن الجائحة أدت إلى تلف جزء يسير لا ينضبط فلا يعتد به ومن هنا يتضح لنا أربعة شروط لـ الظروف الطارئة.

أولا: أن يكون الظرف الطارئ حادثاً استثنائياً.

هذا الشرط يعني أن الحادث الطارئ كالجائحة يجب أن يكون حادثاً استثنائياً نادر الوقوع مثل الزلازل والسيول والحروب ونحوها من الآفات التي هي نادرة الوقوع وليست مألوفة، وهذا الشرط يمكن أخذه من الأحاديث الآمرة بوضع الجوائح؛ حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح. وقد عرفها الفقهاء بأنها: ما لا يستطاع دفعه في العادة، كالريح والمطر الشديد وغير ذلك من الظروف التي تحدث حدوثاً استثنائياً. وهذا الشرط وهو أن يكون الحادث ظرفا طارئا استثنائيا يتفق مع ما جاءت به الشريعة من مبادئ في معالجتها، إلا أنه لا يشترط في مبدأ العذر في الإجارة؛ فليس من شرط فسخ العقد بالأعذار أن يكون العذر استثنائيا؛ بل إن فقهاء الحنفية أجازوا فسخ عقد الإجارة لمجرد عدول المستأجر عن العقد، واعتبروا ذلك عذراً إذا قام على سبب يقدره هو شخصيا؛ كمن يستأجر محلاً ليتجر فيه فإذا به يغير عمله إلى حرفة أخرى؛ أو يستأجر طباخاً ليعد له وليمة بمناسبة الزواج فينتفي السبب، ففي هذه الأحوال يجوز له أن يطلب فسخ العقد.

وإذا نظرنا إلى هذا الشرط في القانون فإننا نجد أن شراح القانون ذكروا هذا الشرط في كلامهم عن شروط نظرية الظروف الطارئة، فقالوا بشرطية كون الحادث الطارئ استثنائيا. ويقصد بالحادث الاستثنائي الحادث الذي يندر حصوله بحسب المألوف من شئون الحياة. وذلك كالحروب والزلازل والحرائق وانتشار الأوبئة والسيول وغارات الجراد إلى غير ذلك كله من النوازل والأحداث. وذكر بعض الباحثين أنه يجب أن تستبعد الحوادث الخاصة بالمدين مهما كانت استثنائية. ومثل ذلك إفلاس المدين، أو إصابته بمرض، أو احتراق محصوله، أو هلاك بضاعته، فهذه الحوادث ترهق المدين في تنفيذ التزامه، ولكنها لا تعتبر من قبل الحوادث الطارئة التي تبرر تطبيق أحكام نظرية الظروف الطارئة.

ثانيا: أن يكون الظرف الطارئ عاماً.

ويقصد بهذا أن يكون الظرف الطارئ عاماً وليس خاصاً بأحد معين وهذا ما اشترطه بعض شراح القانون، فلا يكفي في تطبيق نظرية الظروف الطارئة أن يكون الحادث الاستثنائي الذي وقع خاصاً بالمدين وحده مهما كان فادحا، أو خاصاً بقلة من الناس، بل لابد أن يكون الحادث عاماً، فلا يسوغ للمدين مثلاً أن يتذرع في سبيل الوصول إلى تعديل آثار العقد من خلال وقائع غير موصلة لا تستلزم بالضرورة المساس بالعقد كـ مرض أصابه أو موت قريب له، أو حريق نشب في أحد الدكاكين، ولا يلزم بالضرورة أن يكون الحدث شاملاً للناس جميعهم، فكل ما يتطلب هنا هو أن يكون المدين قد شارك غيره من جمهرة الناس في كونه ضحية للحادث الذي وقع. فالحريـق الذي يلتهم مدينة أو حياً منها يمكن أن يعتبر ظرفاً طارئاً، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الحادث الذي يلحق طائفة معينة من التجار أو منتجي إحدى السلع.

هذا ما ذكره شراح القانون حول هذا الشرط إلا أن البعض يرى اشتراط العمومية في الحادث الاستثنائي يتعارض مع الغاية التي نظمت من أجلها نظرية الظروف الطارئة. ولذلك يلاحظ أن القوانين المدنية في الدول العربية لم تشترط عمومية الحادث، بل جعلت كل حادث استثنائي غيـر متوقع يؤدي إلى إرهاق المدين موجباً لتطبيق النظرية. ويمكن القول بأن من اشترط عمومية الحادث الاستثنائي، لم يشأ أن يطلق العنان لنظرية مستحدثة، فاشترط أن تكون الحوادث الاستثنائية عامة رغبة في تضييق نطاق نظرية الحوادث الطارئة حتى تحافظ قدر الإمكان على مبدأ وأصل هــام وهو استقرار العقود.

ثالثا: أن يكون الظرف الطارئ غير متوقع.

مفاجئاً، وألا يكون في الإمكان توقعه، وهو شرط متوفر في نازلة الجوائح، فالجائحة هي ما لا يستطاع دفعه في العادة وهي من الأمور الغيبية التي لا نعلم متى وكيف وأين تحدث، والتي هي بطبيعة الحال أمر مفاجئ غير متوقع، ليس في إمكان أحد أن يدفعه أو أن يتوقعه كالريح العاصفة والمطر الغزير والزلازل والبراكين ونحوها؛ هذا في شأن الجائحة، وقد اشترط شراح القانون في الظرف الطارئ أن يكون مفاجئاً غير متوقع الحصول ولا يمكن دفعه، وهذا الشرط الجوهري سميت باسمه هذه النظرية ؛ ذلك أن كل عقد يحمل في ثناياه بعض المخاطر، وكل متعاقد حذر يقدّر هذه المخاطر ويزنها بميزان الربح والخسارة، فـإذا قصر أو فرط في ذلك فعليه أن يتحمل تبعات تقصيره أو تفريطه. أما ما يجب أن يؤمن المتعاقد ضده فهو الظرف الذي يفوق كل تقدير والذي لم يكن في الحسبان عند إبرام العقود.

ونقصد بتوقع الظرف الطارئ هو احتمال وقوعه وما سيتكبد منه المتعاقد من صعوبات في تنفيذ الالتزام ولا سيما إذا كان التزاما ثقيلا على الكاهل، فإذا كان المدين متوقعاً حدوث الظرف الطارئ عند التعاقد ومع ذلك أقدم على إبرام العقد، فإنه بذلك يكون مقدراً للظروف ومتوقعا للاحتماليات وليس له أن يتشبث بتطبيق النظرية وإنزالها على واقعة العقد عندما يُلحق به الضرر والذي كان في الحسبان محتمل الوقوع أثنـاء العقد ومع ذلك أقدم على العقد ولم يكترث.

رابعا: أن يكون تنفيذ الالتزام مع وجود الظرف الطارئ مرهقاً.

هذا الشرط ظاهر وبـيّـن وهذا يتوافق مع ما ذكره شراح القانون في اشتراطهم أن يكون الظرف مرهقا في التنفيذ، حيث ذكروا معناه ومعياره، ولذلك يقول السنهوري: "وارهاق الذي يقع فيه المدين من جراء الحادث الطارئ معيار مرن ليس له مقدار ثابت. بل يتغير بتغير الظروف، فما يكون مرهقاً لمدين قد لا يكون مرهقاً دين آخر، وما يكون مرهقا لمدين في ظروف معينة قد لا يكون مرهقاً لنفس المدين في ظروف أخرى، والمهم أن تنفيذ الالتزام يكون بحيث يهدد المدين بخسارة فادحة، فالخسارة المألوفة في التعامل لا تكفي، فإن التعامل مكسب وخسارة".

 القوة القاهرة

عُرفت القوة القاهرة بأنها "كل فعل خارجي لا يد للإنسان فيه كالحوادث الطبيعية والحروب إلى غيرها من المسائل غير المتوقعة". والمنظم السعودي لم يعرّف القوة القاهرة وإنّما أشار إليها في بعض نصوص الأنظمة، ومن ذلك ما جاء في المادة -74- من نظام العمل "يتم إنهاء العقد في حالة القوة القاهرة فوق إرادة الطرفين"، ومن ذلك ما جـاء في المادة -28- من نظام الاستثمار التعديني "ويقصد بالقوة القاهرة في أحكام هذه المادة الأحداث المتعارف عليها أصوليا كقوة قاهرة ناجمة عن ظروف غير متوقعة وقت إصدار الرخصة، والتي لا ترجع إلى أي من الطرفين وتجعل تنفيذ المرخص له لالتزاماته المحددة بالرخصة مستحيلاً"، ومن ذلك ما جــاء في النظام الأساسي لرابطة الدوري السعودي بأنها "الحدث أو التأثير الذي يعتبر من المستحيل السيطرة عليه أو التنبؤ به"، كذلك مـا جـاء في نظام الطيران المدني بعض أحكام القوة القاهرة، وجعلها من الحالات المستثناة من العقوبات في فصل المخالفات، ومـا جاء في قانون الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي والذي نص على بعض الاستثناءات في حالات القوة القاهرة، للمزيد يرجى مراجعة المواد (154-21-20). ومن أهم المجالات التي تتناول موضوع القوة القاهرة هو مجال القانون البحري والجوي والذي يعد من أهم المجالات تداولا واحتمالا في استعراض أثر القوة القاهرة والظروف الطارئة. وتعالج القوة القاهرة في الفقه الإسلامي بـ "نظرية العذر والجوائح" عملا بقول الله عز وجل: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"، وقوله تعالى "ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به".

وجه الاختلاف بين كل من الظروف الطارئة والقوة القاهرة

دون الدخول في جدل قانوني حول هذين المصطلحين، فإنه لا خلاف في الشروط الواجب توفرها لإعمال واحدة من أي النظريتين فالشروط متوافقة على كل منهما. أما الخلاف الجوهري فيكمن في الأثر القانوني الذي يترتب على الإخلال بالالتزام التعاقدي نتيجة ظرف طارئ أو قوة قاهرة. ولكن لا خلاف أن فايروس كورونا COVID-19 أنه إذا أدى إلى استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة نكون بصدد إعمال نظرية القوة القاهرة، فيكون موجبا للمطالبة بفسخ العقد، أما إذا أدى إلى الإرهاق في تنفيذ الالتزام وليس استحالته فنكون بصدد إعمال نظرية الظروف الطارئة، وحينئذ جـاز للمحكم أو القاضي أن يُعمل رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، أو أن يعلق تنفيذ الالتزام المرهق أو ينقص منه أو يزيد في الالتزام المقابل، دون فسخ العقد وفق ميزان الضرر يزال. ومثال ذلك سابقة قضائية بـ إلزام جهة حكومية بناء على حكم قضائي بـرد مبلغ وقدره (708,650) للشركة المدعية بموجب العقد المبرم بين الشركة والجهة الحكومية وذلك بسبب انتشار وباء حمى الوادي المتصدع أثناء تنفيذ المشروع لأسباب خارجة عن إرادة الشركة المدعية وقد أيدت محكمة الاستئناف الحكم  رقم القضية 1885 لعام 1425- ومثال آخر لـ سابقة قضائية بـ إعفاء المدعية من غرامة التأخير تتمثل في مطالبة المدعية بإعفائها من غرامة التأخير الموقعة عليها عن العقد المبرم مع المدعى عليها بشأن طباعة وتوريد الكتب الدراسية –طبقا لنظام تأمين مشتريات الحكومة فإن التأخير إذا كان ناتجا عن قوة قاهرة أو حادث طارئ أو بسبب لا دخل لإرادة المتعاقدة فيه. فإن المتعاقد يعفى من الغرامة – وعلل الحكم في حيثياته بأن الثابت أن السبب في تأخير الكتب هو قيام حرب تحرير دولة الكويت التي حدثت بعد توقيع العقد بنصف شهر – المقرر أن الحروب تعد بمثابة القوة القاهرة والحادث الطارئ الذي لا دخل لإرادة المتعاقدة في حدوثه فتعفى عنه الغرامة بسببها  رقم القضية 782 لعام 1414هـ-.

أثر فايروس كورونا COVID-19 على العلاقات التجارية:

امتدت تأثيرات الجائحة على العلاقات التجارية فقد تأثر مجال المال والأعمال بصفة عامة والعقود والإتفاقيات بصفة خاصة، وذلك بعد اتخاذ معظم دول العالم قرارات بإيقاف خطوط الإنتاج وإقفال الحدود ممـا سيؤدي إلى العديد من الخلافات والمنازعات بين المتعاقدين، وإضافة إلى ذلك إنهاء خدمات الموظفين في هذه المجالات، مما يعني عدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية وهذا ما سيؤثر بشكل كبير على أغلب العقود التجارية التي كانت تمتاز بالاستدامة.

تأثر العلاقات التجارية على المستوى الإقليمي والدولي 

منذ الإعلان عن فايروس كورونا Covid-19 وانتشاره كجائحة شهدت الأسواق تراجعا ملحوظا في اقتصادها وامتد هذ الأثر إلى باقي الأسواق العالمية على حد سواء، حيث أدى تفشي الجائحة إلى تقييد حركة التجارة والنقل بين البلاد بعضها البعض، وتزايدت عمليات الإنفاق على الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار الجائحة. وتفشى تأثيره سلبا على معنويات المستثمرين، وربما هذا ما يدفع البعض منهم إلى التوجه نحو الذهب باعتباره الملاذ الآمن للتحوط في أوقات الأزمات وهذا ما يفسر ارتفاع قيمته بشكل ملحوظ.

كما أن الانتشار السريع لوباء كورونا له تداعيات عديدة على الاقتصاد العالمي، فلا يوجد شك في أنه عطل الاقتصاد خلال هذا الربع من هذا العام. وفقا لدراسة أعدها البنك الدولي بأن انتشار الأوبئة والأمراض يكلف الاقتصاد العالمي نحو 570 مليار دولار سنوياً، أي ما يوازي نحو 0,7% من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما أن استمرار تفشي فايروس كورونا-COVID19 أدى إلى أزمة اقتصادية كارثية للكثير من الدول وتشير بعض الاحصائيات أن العالم قد تعرض لـ خسائر اقتصادية قدرت بما يقارب 50 مليار دولار منذ الإعلان أنها أصبحت جائحة عالمية متفشية؛ في حين تجاوزت خسارة الصين وحدها نحو الـ 20 مليار دولار خلال الفترة القليلة الماضية، خاصة وأن خصائص الانتشار السريع والمذهل لهذا الفايروس حدث غير مسبوق وأسرع انتشارا بكثير من باقي الأوبئة، وتشير بعض المؤشرات الخطيرة إلى أن الاقتصاد العالمي معرض لـ خسارة فادحة بأكثر من 2 ترليون دولار.

مبادرات المملكة في سبيل دعم الاقتصاد في ظل أزمة كورونا 

أعدت المملكة العربية السعودية – أيدها الله- مبادرات عاجلة لمساندة القطاع الخاص خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الاقتصادية الأكثر تأثرا من تبعات هذا الوباء، بما يزيد عن 70 مليار ريال، إضافة إلى برنامج الدعم الذي أعلنت عن تقديمه مؤسسة النقد العربي السعودي بمبلغ 50 مليار ريال في المرحلة الحالية ومن هذه المبادرات:

 -1 الإعفاء من المقابل المالي على الوافدين المنتهية إقاماتهم.

-2 تمكين أصحاب العمل من استرداد رسوم تأشيرات العمل.

-3 تمكين أصحاب العمل من تمديد تأشيرات الخروج والعودة.

-4 تأجيل رسوم الضرائب والإقرارات الزكوية ومنح الشهادات الزكوية بلا قيود عن مدة إقرار العام المالي ٢٠١٩.

-5 تأجيل تحصيل الرسوم الجمركية على الواردات لمدة ثلاثين يوماً مقابل تقديم ضمان بنكي.

-6 تأجيل دفع رسوم الخدمات الحكومية والرسوم البلدية المستحقة على منشآت القطاع الخاص.

أثر فيروس كورونا على العلاقات العمالية 

يتمثل الغرض الأساسي من قانون العمل في تنظيم العلاقة التعاقدية بين صاحب العمل والعامل والواقع أن التطورات الصناعية المعاصرة وما واكبها من متغيرات أدت إلى اتساع نطاق قانون العمل، بحيث أصبح يخضع لأنظمته معظم العقود التي تقوم بين صاحب العمل والعامل مقابل أجـر. وقد قيد نظام العمل السعودي عقود العمل بضمانات عديدة عند انتهائها، حيث لا يمكن للأطراف إنهاء العلاقة التعاقدية إلا وفق مبررات محددة مبنية على شكليات خاصة. نذكر منها حالة القوة القاهرة.

مدى انطباق حالة القوة القاهرة على جائحة فايروس كورونا COVID-19 ، وتأثيره على عقود العمل الجارية. 

القوة القاهرة أحد أهم أسباب انتفاء المسؤولية بنوعيها، فوفقاً لنص نظام العمل "يتم إنهاء العقد في حالة القوة القاهرة فوق إرادة الطرفين"، وبـ إعمال الشروط التي بيناها سابقاً على حالة الجائحة التي يمر بها العالم الآن، يتضح لنـا أنها جائحة غير متوقعة، وخارجة عن إرادة العامل وصاحب العمل. فقد واجه الآلاف من العاملون خطر فقدان وظائفهم، أو على الأقل يعانون من مصير مجهول في ظل تفشي الجائحة وانتشارها والتي أضرت بمعظم القطاعات. وقد اتجهت بعض شركات الطيران حول العالم بتخفيض عدد العاملين بل وإنهاء تعاقداتهم في محاولة منها لإيقاف النزيف المالي وتضييق خناق دائرة الخسائر تزامناً مع إلغاء العديد من الرحلات، فنجد مثلاً الخطوط النرويجية والتي أعلنت أنها بصدد " تسريح عدد كبير من العاملين " وذلك بعد أن اضطرت إلى إلغاء ثلاثة آلاف رحلة جوية حتى الآن، أما شركة الخطوط البريطانية فبدأت بعرض "إجازة من دون أجر" على العاملين لديها من الموظفين والذين يزيد عددهم عن 45 ألف موظف.

وعلى صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أظهرت بيانات حديثة أن القطاع الخاص - غير الزراعي - ألغى 27 ألف وظيفة في شهر مارس الماضي، وتشير تقديرات المراقبين إلى إنهاء 150 ألف وظيفة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الشهر الماضي في القطاع الخاص، إضافة إلى إلغاء 9آلاف وظيفة في قطاع إنتاج السلع الشهر الماضي، في حين انخفض قطاع الخدمات خلال نفس الفترة بمعدل 18 ألف وظيفة.

أما بالنسبة لـ المملكة العربية السعودية وبعد أن قررت فرض حظر تجول للمصلحة العامة في أغلب المناطق على مدى 24 ساعة يومياً، وتقرر حظر ممارسة العمل بالأنشطة التجارية باستثناء عمل بعض الأنشطة الضرورية أصدرت الحكومة -أيدها الله- قراراً باستثناء العاملين السعوديين في القطاع الخاص المتأثرة من التداعيات الحالية، من المواد (14-10-8) من نظام التأمين ضد التعطل عن العمل بحيث يحق لصاحب العمل بدلاً من إنهاء عقد العامل السعودي أن يتقدم للتأمينات الاجتماعية بطلب صرف تعويض شهري للعاملين لديه بنسبة 60% من الأجر لـ مدة ثلاثة أشهر، وبحد أقصى تسعة آلاف ريال شهرياً، وبقيمة إجمالية تصل إلى 9 مليارات ريال. كما أن قرار إضافة المادة (41) إلى اللائحة التنفيذية لنظام العمل قيد استعمال القوة القاهرة كمبرر للفصل، والواردة في الفقرة (5) من المادة (74) من نظام العمل حيث ألزم صاحب العمل الاتفاق مع العامل على الخيارات الثلاثة وهي الاتفاق على مواءمة ساعات الأجر مع عدد ساعات العمل الفعلية ، الاتفاق على استخدام رصيد الإجارات المستحقة بأجر ، الاتفاق على استخدام الإجازة بدون أجر بما لا يزيد عن 20 يوما في الشهر ، كما أن هذا القرار وضع حماية قصوى للعاملين السعوديين في فقرة أساسية منه بحيث لا تسمح لصاحب العمل إنهاء العقد إذا ثبت أنه قد انتفع بأي إعانة من الحكومة لمواجهة تلك الحالة وبالتالي فإن المنشأة التي تقدمت بطلب التسجيل في نظام ساند واستفادت منه فعليا لا يكون مبررا لها فصل الموظفين السعوديين وفقا للقوة القاهرة وذلك لانتفاء وعدم تحقق القوة القاهرة في علاقة العامل مع صاحب العمل.


- المراجع والمصادر:

1-  د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني.

2-  د. سليمان محمد الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية، مطبعة جامعة عين شمس، الطبعة الخامسة، 1990م.

3 -  د. منصور نصر عبدالحميد، نظرية الظروف الطارئة وأثرها على الالتزام العقدي،

      رسالة دكتوراه من كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، 1405هـ، 1985م.

4 -  صالح بن عبد الله بن عطاف العوفي: "المبادئ القانونية في صياغة عقود التجارة الدولية"،

      معهد الإدارة العامة، السعودية، طبعة 1997.

5 -   شريف غنام : أثر تغيير الظروف في عقود التجارة الدولية –

       مطبعة الفجيرة الوطنية , الامارات العربية المتحدة – 2010.

6 -   د. سمير عبد السيد تناغو، د. نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام،

       دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 2004م.

7 - الثنيان سليمان بن إبراهيم: الجوائح وأحكامها ، دار عالم الكتب ، الرياض ، ط1، 1992 .

8 -  د. عبدالسلام الترمانيني، نظرية الظروف الطارئة، دار الفكر، بيروت.

9 - بن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ، كتاب : التجارات باب : ما للرجل من مال ولده.

10-  الإمام مالك : المدونة الكبرى (رواية سحنون )، ج 3، مكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة ، د ط ، 2004.

11- ابن قدامة عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي ، المغني ، ج4، دار الكتاب العربي ، بيروت ، د ط ، 1972.

12-  الأنظمة السعودية : نظام العمل ، نظام الإستثمار التعديني ، النظام البحري التجاري.

13 - Jill Poole, James Devenney & Adam Shaw-Mellors. Concentrate Contract Law. 3rd Edition.